في جماليات التعليم
الجمال أصيل في الوجود، وهو جبلّة في سائر الخلق والمخلوقات. وعند أهل التعليم، يرتقي الفعل الجمالي إلى مراتب الضرورة بالنظر لما ينطبع في وعي المتعلم وإدراكه من روح المعلّم. ولهذا السبب وغيره، تتجلى الحاجة إلى تعزيز بتلات الجمال التعليمي بقوّة، أكان ذلك في محسوسات الأشياء التعليمية أم في مجرّداتها.
ويكون الجمال التعليمي المحسوس في صور كثيرة، ومن بينها تلك الصورة المباشرة المرئية في هيئة المعلمين، أعني من جهة مظهرهم الخارجي الذي ينبغي أن يراعي الهندام الجميل المتناسق والمعطّر بنكهات خفيفة مميزة، على أن يكون هندامًا يجمع بين البساطة والأناقة؛ تلك الأناقة التي تتشرّب من ثقافة السياق التعليمي دون الجنوح إلى استفزاز الميول المغالية السائدة من جهة البذخ أو الابتذال. فالمعلمون يوطّنون متعلميهم على البحث الدائم عن التوازن، وهو سمة الوجود كله.
كما يكون الجمال في لغة الجسد، وأخصّ بالذكر التواصل البصري بين عيون المعلمين وعيون المتعلّمين، والتفرّس في وجوه الجميع حتى ليكاد يظن المتعلمون أن عديدهم واحد، ويظن الواحد أن فرده جماعة. ويكون ذلك بصور لا تُحصى، وأهمها الابتسامة الخفيفة العميقة غير المصطنعة التي تنير الوجوه البهية في الميمنة والميسرة والمقدمة والخلف والوسط، ترافقها عبارات التوجيه والتحفيز وتحضير انطلاقة الحصة، وتلطيف ما قد يكون من مشاكسات أو تلكؤ…
ويكون الجمال أيضًا في نبرة المعلم الواثق من تحضير مادته بما يدهش متعلّميه. فالتحضير المسبق يتقصّد تقسيم الدرس إلى متتاليات، مع مراعاة ما أيدته الدراسات العلمية من مراعاة الفروق الفردية والمداخل المختلفة بقصد إدهاش المتعلم. فالإدهاش إنما هو أسّ الرغبة في التعليم وعمودها الفقري. والتعليم جهدٌ مضنٍ، والاحتيال في جعل المتعلم يكتسب المهارات دون أن يشعر بكبير عناء مما يجعل المعلمين يتقدمون في بسط مادة حصصهم كأنهم قادة قطار ترفيهي تمر سكته بشتى المناظر والتعاريج. أما المتعلمون فتراهم لا يكادون يحسون بشيء إلا بالأسف من سرعة انتهاء الحصة، وهو من الغايات المقصودة دون تصريح. فتوقّف الاستمتاع في مرحلة النشوة يعقد ذاكرة المتعلمين على رجاء تجديد النشوة في الحصة القادمة، وهو ما تلجأ إليه شركات صناعة الأفلام والمسلسلات، إذ تقطع الحلقات عند بلوغ الانتشاء مبلغًا يربط الأفئدة بالحلقة القادمة.
ويكون الجمال كذلك في نمط الخط المكتوب على السبورة بالقلم اللبدوي أو بالطباشير التقليدي. ومن المهم العناية الشديدة بنمط الخط وجماليته على السبورة، لا سيما في تعليم اللغة في المراحل المبتدئة، وفي تعليم اللسان لغير الناطقين به. فكثير من المعلمين تراهم يكتبون بخط جليل له إطلالة جمالية مؤثرة في العيون الفتية التي تقرأ. أما بعض المعلمين فلا يعتنون بخطهم فتكون الكتابة رديئة المظهر، لا تنتظم على صف واحد، بل تراها معوجّة صعبة القراءة، بلا ألوان ولا تنسيق. والمعلمون من ذوي المهارات الجمالية يحتالون في الكتابة، فتراهم يدخلون إلى الفصل قبل طلابهم، ويخططون السبورة بعناية فائقة: موضع للتاريخ الهجري وما يقابله بالميلادي، وموضع للتدريبات، وموضع لشرح الكلمات، وكل موضع بلون. ويعرف الطلاب ذلك بالتعوّد، فلا تنقطع اهتماماتهم بعد الشعور باللخبطة جراء سبورة تتحول إلى فضاء خربشة غير مهيكلة.
والهيكلة في زماننا هذا، مع الانفجار المعرفي الكبير، صارت المهمة الأولى للمعلمين. فلم يعد المعلمون هم أولئك الذين يلقنون المتعلمين، بل تضاعف تعقيد المهمة، وأصبحت في حذق هيكلة المعارف والمهارات والسلوكيات، وجعل المتعلم يعرف لبّ الأمور ويميّزها عن قشورها. وهذا لا يكون إلا بترسيخ المهارة النقدية، وهي تختلف عن فوضى الثرثرة والسفسطة الكلامية، لأن مهارة النقد تتطلب تثقيف القدرات على سبك الرأي بالحجة والبرهان والنظر في الأشباه والنظائر وما يميّز الأشياء في مظاهرها.
ويكون هذا البعد الجمالي في جميع المواد، لأن الفصل بين الشعب إنما هو اصطناعي لأجل تيسير التعليم بفصل مادة عن مادة، وإلا فجميع ما ينجزه البشر مترابط جدًا، حتى بين المواد التي تبدو بعيدة مثل اللغة والرياضيات أو الفلسفة والدين والأخلاق. فليس ثمة قطيعة بين كل هذه الأشياء، فهي متصلة بعضها ببعض اتصالًا وثيقًا، عرف ذلك من عرف، وجهله من جهل.
ويكون الجمال أيضًا في شكل إرساء الثقة عند اختبار مدى التقدم في اكتساب المهارات، وذلك بأن يدرك المعلمون معنى التقييم والتقويم وبناء الاختبارات بشكل صدقي وموثوق وقابل لأن يتكرر في جميع البيئات دون تحيز أو حيف. وهذا أمر محوري لأنه يخاطب المعنى العميق للإنسان في كل مكان. وهذا التجلي الجمالي في الاختبارات يحمي المعلمين والمتعلمين على السواء؛ فالمعلمون يرتاح ضميرهم، والمتعلمون لا تجد أفواههم أي تعلة لانتقاص الاختبار والزعم بأنه عقوبة من المعلم للانتقام من المتعلم وما شابه ذلك، وهو سائد بكثرة في جميع المجتمعات.
وفي العصر الرقمي، يتجلى الجمال التعليمي أيضًا في تلكم الأساليب الممتعة التي يقدم من خلالها المعلمون آخر الإبداعات الإنسانية في العصر الرقمي. صحيح أن العصر الرقمي جلب معه ويلات على الطلاب وحديثي السن، لكنه فتح آفاقًا جديدة أيضًا. فالترجمة اليوم — على سبيل المثال لا الحصر — صارت من أسرع العمليات بين جميع اللغات. لقد ولى ذاك الزمن الذي كان الرجل يقضي عشرات السنين من عمره لترجمة كتاب، فها هو اليوم يترجم كل لغة في عشرات الثواني، وبدقة تتحسن يومًا بعد يوم. كما يلفت المعلمون نظر متعلميهم إلى الفرص الكبيرة التي أتاحها الذكاء الاصطناعي لكسب أسباب العيش وتنوير العقول والأفئدة، مع التنبيه إلى خطره حين يُستخدم في مجال سيئ منبوذ…
وإذا كانت مظاهر الجمال التعليمي تتعدد، فإن جوهرها العميق يكمن في معنى التعليم نفسه. ويبقى — في نظري — جوهر التعليم الجمالي في دلالة كلمة (علّم) نفسها؛ لأن أصل (علّم) يعود إلى ذاك الوسم الذي كانت الشعوب تجعله على جلود الحيوانات لتمييزها بعضها من بعض، وتمييز من يمتلكها عن اختلاطها. وكانت الإبل تُعلَّم قبل إطلاقها للرعي. ومن (التعليم) العلم بفتح اللام وبتسكينها، والعُلام من أسماء الحناء لأنها تترك علامة.
وههنا أقول: كن ذا أثر، واترك إنسانًا حرًا في هذا الوجود الألق الآسر. فالمعلمون الناجحون يتركون متعلمين أحرارًا، مثلهم مثل القادة العظام الذين لا يتركون بعدهم أتباعًا، بل يورثون الحرية لمن يخلفهم. وكم كررت في حياتي هذه العبارة التي كتبتها في بعض كتبي: كن حرًا… ثم كن ما تشاء. ولله الحمد وله عظيم الامتنان.
بقلم | بشير العبيدي
معهد المتمم

