تعليم العربية وثقافتها: لماذا لا تكفي الكلمات إذا غاب العالم الذي تتحرك فيه؟

في العربية، كما في سائر اللغات، لا تُفهم العبارة كاملة إذا فُصلت عن مقامها الثقافي والتداولي…

مقتطف

يُعامل البعد الثقافي في بعض برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها كما لو كان إضافة جانبية تُلحق بالمحتوى اللغوي بعد اكتماله، مع أن كثيرًا من دلالة اللغة لا يتضح إلا من خلال السياق الثقافي الذي يمنحها وظيفتها ومعناها العملي. فالتعبير اللغوي لا يحمل معناه المعجمي وحده، بل يحمل أيضًا أثر المقام، والعلاقة بين المتخاطبين، وصيغ المجاملة، وطرائق التلميح والتصريح. وتناقش هذه المقالة موقع البعد الثقافي في تعليم العربية، وتبين أنه جزء من بناء الكفاية التواصلية، لا مادة ثانوية موازية لها.


المتن

من أكثر التصورات اختزالًا في تعليم العربية للناطقين بغيرها أن تُفهم الثقافة بوصفها “معلومات عن المجتمع” تضاف إلى الدرس اللغوي من الخارج: صورة لطبق شعبي، أو إشارة إلى مناسبة اجتماعية، أو فقرة تعريفية عن مدينة أو عادة. وهذه الإضافات قد تكون نافعة في حدودها، لكنها لا تمثل جوهر العلاقة بين اللغة والثقافة. فالثقافة، في التعليم اللغوي الرشيد، ليست زينة معرفية، بل جزء من البنية التي تُستعمل اللغة من خلالها. ولهذا لا يكفي أن يعرف المتعلم معنى العبارة، بل يحتاج إلى أن يعرف متى تقال، وكيف تقال، وما الذي توحي به، ومتى تكون مناسبة أو غير مناسبة.

ومن هنا تتضح الصلة بين الكفاية اللغوية والكفاية التداولية والكفاية الثقافية. فالكفاية اللغوية تمكّن المتعلم من بناء الجملة وفهم مفرداتها وتراكيبها، لكن هذا لا يضمن وحده حسن الاستعمال. أما الكفاية التداولية فتتعلق بقدرة المتعلم على استخدام اللغة في المقام المناسب: أن يطلب، ويعتذر، ويوافق، ويعترض، ويستفسر بطريقة ملائمة. غير أن هذه الملاءمة نفسها لا تُفهم غالبًا إلا عبر بعد ثقافي يضبط العلاقات الاجتماعية، ودرجات الرسمية، وصيغ التلطف، وحدود التصريح. ولذلك فإن الكفاية الثقافية ليست مستوى زائدًا على اللغة، بل شرط من شروط استكمال معناها الاستعمالي.

ويظهر هذا بجلاء في العربية. فالمتعلم قد يفهم المعنى المعجمي لعبارة مثل: “إن شاء الله”، لكنه لا يحيط دائمًا بوظائفها في الاستعمال. فقد تأتي وعدًا صريحًا، وقد تأتي تعبيرًا عن الأمل، وقد تُستعمل أحيانًا لتخفيف الالتزام أو تأجيل الحسم بحسب السياق والنبرة والعلاقة بين المتخاطبين. وكذلك عبارة مثل: “تفضل” قد تُستخدم للدعوة إلى الجلوس، أو لتقديم شيء، أو لفتح باب الكلام، أو للسماح بالدخول. والمعجم وحده لا يكفي هنا؛ لأن المعنى يتشكل داخل ممارسة ثقافية تداولية. وإذا لم يُدرّب المتعلم على هذه الأبعاد، فقد يفهم الكلمات ويخطئ في فهم المقصد.

ولهذا لا ينبغي إدماج الثقافة في تعليم العربية على صورة “وحدات ثقافية” منفصلة فقط، بل داخل المحتوى نفسه والأنشطة نفسها. فإذا كان الدرس يدور حول طلب المساعدة، مثلًا، فلا يكفي أن يتعلم المتعلم صيغ السؤال اللغوية، بل ينبغي أن يرى أيضًا كيف تختلف الصياغة بحسب المقام: بين سؤال زميل، ومخاطبة موظف، والتحدث إلى أستاذ. ويمكن أن يُعرض للطلاب نشاط قصير فيه ثلاث صيغ: “أريد هذا”، “هل يمكن أن تساعدني؟”، “لو سمحت، هل يمكن أن تدلني على…”، ثم يُسأل الطلاب: أيها أنسب في كل موقف؟ ولماذا؟ في هذا المثال لا تدرَّس الثقافة بوصفها موضوعًا إضافيًا، بل بوصفها شرطًا لاختيار العبارة المناسبة.

غير أن إدماج الثقافة لا يعني الوقوع في التبسيط أو التنميط. ومن أكبر الأخطاء في هذا الباب أن تُقدَّم “الثقافة العربية” كما لو كانت قالبًا واحدًا متجانسًا ثابتًا. فالعربية ليست مرتبطة بسياق اجتماعي واحد، ولا ببيئة ثقافية واحدة، ولا بنمط استعمال واحد. وفيها تفاوتات واضحة بين الرسمي واليومي، وبين السياقات الأكاديمية والاجتماعية، وبين البيئات المحلية المختلفة. ومن ثم فالتعليم المتزن لا يقول للمتعلم: “العرب يفعلون كذا”، بل يعلّمه أن يلاحظ التنوع، وأن يقرأ المقام، وأن يفرق بين ما هو شائع في سياق معين وما ليس لازمًا في كل السياقات.

ويمكن توضيح هذا التنوع بأمثلة تعليمية قصيرة. فعند تدريس التحية، لا يكفي أن نعرض صيغة واحدة ونقدّمها بوصفها الصورة الوحيدة الممكنة. بل يمكن أن نعرض صيغًا مثل: “السلام عليكم”، “مرحبًا”، “أهلًا”، “صباح الخير”، ثم نناقش مع الطلاب أين تكثر كل صيغة، وما درجة رسميتها، وكيف يؤثر السياق في اختيارها. وعند تدريس الضيافة، يمكن أن نعرض حوارًا قصيرًا يتضمن عبارات مثل: “تفضل”، “شكرًا، لا أريد الآن”، “ألححتَ عليّ”، ثم نحلل مع الطلاب كيف تعمل المجاملة، وكيف يُعبَّر عن القبول أو الرفض بلطف. وبهذا يتعلم الطالب اللغة في بيئتها الإنسانية، لا في عزلة مصطنعة.

والتصور التربوي الأجدى هنا هو تصور متوازن: لا يذيب تعليم اللغة في خطاب ثقافي عام، ولا يفصل اللغة عن العالم الذي تتحرك فيه. فالمطلوب ليس تحويل درس العربية إلى درس في الأنثروبولوجيا، بل بناء وعي تدريجي بأن التعبير اللغوي له وظيفة اجتماعية وثقافية، وأن فهم النص أو الحوار أو الموقف لا يكتمل من دون هذا الوعي. وهذا يقتضي من مصمم المادة التعليمية أن يختار نصوصًا ومواقف وأنشطة تكشف هذا البعد كشفًا طبيعيًا، كما يقتضي من المعلم أن يشرح من الثقافة ما يخدم الفهم والاستعمال، لا ما يثقل الدرس بالمعلومات.

الخلاصة

حين يُفصل اللساني عن الثقافي في تعليم العربية للناطقين بغيرها، تختل صورة اللغة نفسها: يعرف المتعلم البنية، لكنه لا يحسن دائمًا قراءة المقام، أو فهم المقصد، أو اختيار العبارة الأنسب. وعندئذ تتسع الفجوة بين “معرفة العربية” و“القدرة على استعمالها”. لذلك فالبعد الثقافي ليس مادة تكميلية تُلحق بالتعليم بعد اكتماله، بل عنصر بنائي في الكفاية التواصلية، وشرط من شروط الفهم الحي للغة العربية واستعمالها استعمالًا راشدًا.


الكلمات المفتاحية

تعليم العربية للناطقين بغيرها، البعد الثقافي، الكفاية التداولية، الكفاية التواصلية، الثقافة واللغة، تعليم العربية، تصميم المواد التعليمية، المقام اللغوي، التنوع الثقافي، اللسانيات التطبيقية.