تعليم المفردات العربية للناطقين بغيرها: من حفظ الكلمة إلى حُسن استعمالها

لماذا لا تكفي القوائم المعجمية لبناء الكفاية التواصلية؟

مقتطف

يشيع في بعض برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها التعامل مع المفردات بوصفها وحدات مستقلة تُقدَّم في قوائم للحفظ والاختبار، مع أن الكلمة في الاستعمال الحقيقي لا تعمل منفصلة عن السياق ولا عن المقام ولا عن العبارات التي تلازمها. وتناقش هذه المقالة أهمية الانتقال من تعليم المفردات بوصفها “معاني محفوظة” إلى تعليمها بوصفها أدوات للاستعمال والتفاعل، مع إبراز ما يقتضيه ذلك من إعادة نظر في اختيار الألفاظ وتدرجها وطريقة تقديمها في الصف.


المتن

تحتل المفردات موقعًا مركزيًا في تعليم العربية للناطقين بغيرها، لكن هذا الموقع لا يعني أن تعليمها يسير دائمًا في الاتجاه الصحيح. ففي كثير من المواد التعليمية، تُقدَّم المفردات على هيئة قوائم موضوعية أو معجمية: كلمات الطعام، وكلمات السفر، وكلمات الأسرة، ثم يُطلب إلى المتعلم حفظها أو مطابقة كل كلمة بمعناها. وهذه الطريقة، على ما فيها من فائدة أولية في التنظيم، تظل محدودة الأثر إذا انفصلت عن الاستعمال الحقيقي؛ لأن المتعلم قد يعرف معنى الكلمة، لكنه لا يعرف كيف تُستعمل، ولا مع أي تراكيب تأتي، ولا في أي مقام تبدو طبيعية أو مناسبة.

وهنا يظهر الفرق بين المعرفة المعجمية المجردة والكفاية التواصلية. فالمتعلم قد يحفظ أن كلمة “طلب” تعني السعي إلى شيء، لكنه يحتاج في الاستعمال إلى أن يعرف الفرق بين: طلب المساعدة، وطلب الطعام، وطلب من زميله أن ينتظر، وأن يميز كذلك بين الصيغ الأقرب إلى المقام: أريد، وأودّ، وهل يمكن، ولو سمحت. فالمسألة ليست في امتلاك كلمة واحدة، بل في امتلاك شبكة استعمالية تحكمها العلاقة بين اللفظ والسياق والمقام.

ومن منظور اللسانيات التطبيقية، لا تُتعلَّم المفردات تعلمًا فعّالًا حين تُعامل على أنها مقابلات معجمية بين لغتين، بل حين تُدرّس داخل أنماط استعمالها. وهذا مهم في العربية بوجه خاص؛ لأن كثيرًا من مفرداتها يتصل بنظام اشتقاقي غني، وبإمكانات دلالية متعددة، وبتركيبات ملازمة لا يكفي فيها فهم المعنى الأساسي. فكلمة مثل “أخذ” لا تؤدي الوظيفة نفسها في جميع السياقات: أخذ الكتاب، وأخذ وقتًا طويلًا، وأخذ يفكر، وأخذ رأيه. وإذا قُدِّمت الكلمة للمتعلم على أنها “تعني to take” مثلًا، فإن هذا التقديم لا يفتح له باب الاستعمال، بل يضعه عند أول درجاته فقط.

وينبغي، لذلك، أن يُبنى اختيار المفردات في برامج العربية على معيارين متكاملين: الشيوع الاستعمالي، والقيمة الوظيفية. فالكلمة لا تُختار لأنها موجودة في معجم أساسي فحسب، بل لأنها مفيدة للمتعلم في التفاعل، وقابلة للدخول في عدد من المواقف المتكررة، ومتصلة بحاجاته التواصلية الفعلية. ولهذا يكون تعليم تعابير من قبيل: من فضلك، وهل يمكن، وأحتاج إلى، وما معنى، وأين أجد، أولى في بعض المراحل من حشد ألفاظ قليلة التداول أو محدودة القيمة التواصلية، مهما كانت “صحيحة” في ميزان الوصف اللغوي.

ولا يقل تدرج المفردات أهمية عن اختيارها. فالتدرج السليم لا يعني الانتقال من السهل إلى الصعب بمعيار شكلي فقط، بل يعني أيضًا الانتقال من الأكثر نفعًا إلى الأقل نفعًا، ومن الأكثر اتصالًا بالمواقف الحياتية إلى ما هو أبعد عنها. كما يعني تقديم الكلمة في صورة تسمح للمتعلم بأن يبني حولها استعمالًا متزايدًا. فبدل أن نقدّم كلمة “موعد” وحدها، يمكن أن تُقدَّم في تراكيب مثل: عندي موعد، ما موعد الدرس؟، هل الموعد مناسب؟، أريد تغيير الموعد. بهذه الطريقة لا يحفظ المتعلم كلمة منفصلة، بل يكتسب نواة استعمالية قابلة للتوسع.

ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تقديم المفردات في سياقات مصطنعة لا تشبه اللغة الحية. فحين نعرض على الطالب كلمة “مكتبة” ثم نطلب منه أن يكرر: هذه مكتبة، فإننا نكون قد عرّفناه باللفظ، لكننا لم نقرّبه من استعماله الفعلي. أما إذا بنينا حول الكلمة موقفًا صفّيًا بسيطًا، مثل:
— أين أجد القاموس؟
— في المكتبة.
— هل المكتبة قريبة؟
— نعم، في آخر الممر.
فإن الكلمة تدخل عندئذ في شبكة تواصلية أوسع، ويتعلمها الطالب بوظيفتها، لا بصورتها المعجمية وحدها.

ومن المفيد كذلك أن يُنبَّه المعلم إلى قيمة التراكيب الملازمة في العربية، لا الكلمات المفردة فقط. فالمتعلم لا يحتاج إلى معرفة معنى “قرار” وحدها، بل إلى استعمالات مثل: اتخذ قرارًا، غيّر قراره، قرار مهم. ولا يحتاج إلى فهم كلمة “رأي” مجردة، بل إلى تراكيب مثل: في رأيي، ما رأيك؟، أبدى رأيه. وهذا الجانب بالغ الأهمية في العربية؛ لأن حسن الاستعمال فيها كثيرًا ما يقوم على معرفة ما يلازم الكلمة من أفعال وصفات وحروف، لا على معناها المفرد فحسب.

وفي الممارسة الصفية، يمكن تحويل هذا التصور إلى أنشطة صغيرة لكنها مؤثرة. من ذلك، مثلًا، أن يقدّم المعلم ثلاث عبارات متقاربة في المعنى الظاهر: أريد ماء، أريد أن أشرب، هل يمكن أن أحصل على ماء؟، ثم يسأل الطلاب: أيها أنسب في الحديث مع زميل؟ وأيها أنسب مع موظف؟ ولماذا؟ وفي نشاط آخر، يمكن أن تُعطى للطلاب كلمة مثل “سافر”، ثم يُطلب إليهم بناء أكثر من استعمال: سافر إلى…، سافر مع…، سافر الأسبوع الماضي، أريد أن أسافر. وبهذا ينتقل تعليم المفردات من “معرفة معنى الكلمة” إلى “معرفة كيف تعمل الكلمة”.

إن تعليم المفردات في ضوء الاستعمال الحقيقي والسياق التداولي لا يخفف من أهمية المعنى، بل يضعه في موضعه الصحيح: المعنى بداية، لا نهاية. فالكلمة لا تؤتي أثرها في تعلم العربية إلا حين تُرى في موقعها من الجملة، ومن التفاعل، ومن المقام. وكلما اقترب تعليم المفردات من اللغة كما تُستعمل، ازداد أثره في بناء الكفاية التواصلية، وقلّ انفصال ما يتعلمه الطالب في الصف عما يحتاج إليه خارجه.

الخلاصة

لا يكفي في تعليم المفردات العربية للناطقين بغيرها أن نزيد عدد الكلمات التي يعرفها المتعلم، بل الأهم أن نبني قدرته على استعمالها استعمالًا مناسبًا. وهذا يقتضي أن تُختار المفردات وفق شيوعها وقيمتها الوظيفية، وأن تُقدَّم في تراكيبها وسياقاتها ومقاماتها، وأن تُدرّس بوصفها أدوات تفاعل لا مواد حفظ فقط. وكل برنامج ينجح في هذا التحول يقترب بالمتعلم من العربية الحية، لا من العربية المحفوظة.

الكلمات المفتاحية

تعليم العربية للناطقين بغيرها، تعليم المفردات، اللسانيات التطبيقية، السياق التداولي، الكفاية التواصلية، الاستعمال الحقيقي، التراكيب الملازمة، تدرج المفردات، تعليم اللغة العربية، تصميم المواد التعليمية.