مواءمة الكفايات ومخرجات التعلّم والمحتوى والتقويم في برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها

لماذا تفشل بعض البرامج الجيدة في ظاهرها؟ لأن عناصرها لا تتكلم لغة واحدة

مقتطف

ليست مشكلة بعض برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها في ضعف أهدافها المعلنة، بل في الفجوة بين تلك الأهداف وبين ما يدرَّس فعليًا في الصف، وما يُطلب من المتعلم أن ينجزه في التقويم. فكم من برنامج يعلن بناء الكفاية التواصلية، ثم يقدّم محتوى يغلب عليه العرض اللغوي المجزأ، ويعتمد اختبارات تقيس التذكر أكثر مما تقيس الأداء. وتناقش هذه المقالة أهمية الاتساق الداخلي بين الكفايات، ومخرجات التعلّم، والمحتوى، والأنشطة، والتقويم، بوصفه شرطًا حاكمًا في جودة برامج العربية للناطقين بغيرها وفاعليتها.


المتن

من أكثر المشكلات رسوخًا في تصميم البرامج اللغوية أن تُبنى الوثائق المرجعية في مستوى، بينما يُبنى التدريس الفعلي في مستوى آخر. فتظهر الكفايات في الخطط بصياغة واسعة ومطمئنة، وتُذكر مخرجات التعلّم بلغة حديثة، ثم حين ننتقل إلى الكتاب، أو الدرس، أو الاختبار، نجد منطقًا مختلفًا تمامًا: محتوى منظّم بحسب الموضوعات أو القواعد، وأنشطة لا تُفضي إلى ما أُعلن من كفايات، واختبارات تقيس ما يسهل تصحيحه لا ما ينبغي أن يتقنه المتعلم. وهنا لا يعود الخلل جزئيًا، بل بنيويًا؛ لأن البرنامج لا يعمل بوصفه نظامًا متّسقًا، بل بوصفه أجزاء متجاورة لا يضبطها مبدأ واحد.

وتبدأ المعالجة الصحيحة من التمييز بين أربعة مستويات كثيرًا ما تختلط: الكفايات، ومخرجات التعلّم، والمحتوى، والتقويم. فالكفاية تصف القدرة المركّبة التي يُراد بناؤها لدى المتعلم، مثل التفاعل الشفهي المناسب في مواقف الحياة الأكاديمية أو اليومية. أما مخرجات التعلّم فهي الصياغات الأقرب إلى الملاحظة والقياس، مثل أن يقدّم المتعلم نفسه، أو يطلب توضيحًا، أو يكتب رسالة قصيرة لغرض محدد. ثم يأتي المحتوى ليخدم هذه المخرجات: نصوص، ومفردات، وتراكيب، ومهام، وأنشطة. وأخيرًا يأتي التقويم ليتحقق من تحقق تلك المخرجات في أداء فعلي. فإذا اختلّ الترتيب، أو انفصل مستوى عن آخر، أصبح البرنامج متماسكًا في شكله فقط.

ولهذا لا تُبنى المناهج الرصينة من المحتوى إلى الهدف، بل من الكفاية إلى التقويم مرورًا بالمحتوى والأنشطة. فإذا كان البرنامج يعلن مثلًا أن هدفه بناء الكفاية التواصلية في المستوى المبتدئ، فلا يكفي أن يملأ وحداته بمفردات الأسرة والطعام والسفر، ولا أن يدرّس التراكيب الشائعة في هذه الموضوعات؛ بل يجب أن يُسأل أولًا: ما الذي نريد من المتعلم أن يفعله باللغة في نهاية هذا المستوى؟ هل نريده أن يسأل عن المكان؟ أن يطلب خدمة؟ أن يعرّف بنفسه؟ أن يصف روتينه اليومي؟ فإذا تحددت هذه المخرجات أمكن اختيار المحتوى المناسب، وصياغة الأنشطة الملائمة، وبناء أدوات تقويم تقيس هذا الأداء نفسه.

ومن هنا يظهر أثر الاتساق الداخلي في جودة البرنامج وفاعليته. فالبرنامج المتسق يوفّر على المعلم كثيرًا من الارتجال، ويمنح المتعلم شعورًا بأن ما يتعلمه في الصف له امتداد طبيعي في ما يُطلب منه أداؤه. أما حين يغيب الاتساق، فإن المتعلم يتلقى إشارات متعارضة: يُقال له إن الغاية هي التواصل، ثم يُقاس في اختبار يطلب منه استرجاع مفردات معزولة أو إكمال جمل منزوعة السياق. ويُطلب إليه في الصف أن ينخرط في نشاط تفاعلي، ثم يُحكم على تقدمه من خلال أداة لا ترى من أدائه إلا الصواب الشكلي. ومثل هذا الانفصال لا يضعف التعلم فحسب، بل يربك فلسفة البرنامج كلها.

ومن الأخطاء الشائعة في هذا الباب استيراد الأطر المرجعية أو المصطلحات الحديثة من غير تكييف حقيقي. فقد تتبنى مؤسسة تعليمية لغة “الكفايات” و“مخرجات التعلّم” و“المهام التواصلية”، لكنها تبقي المحتوى كما هو: وحدات قائمة على الشرح القاعدي أو الحشد المعجمي، واختبارات لا تزال تقيس المعرفة المجزأة. والنتيجة أن الإطار المرجعي يصبح غطاء اصطلاحيًا لا مبدأ بنائيًا. والخطأ هنا ليس في الاستفادة من الأطر العالمية، بل في نقلها كما لو كانت قوالب جاهزة، من غير نظر في خصوصية العربية، وطبيعة المتعلمين، وسياق البرنامج، وأهدافه الفعلية.

ويتجلى هذا بوضوح في تصميم المقررات. فقد ينص البرنامج على مخرج تعلم مثل: “أن يشارك المتعلم في حوار قصير لطلب معلومات وتقديمها”. لكن الوحدة التعليمية تُبنى حول قائمة مفردات وأمثلة نحوية، من غير نشاط تدرّجي يقود إلى هذا الحوار، ومن غير مهمة تواصلية تتيح للمتعلم ممارسة ما سيُقاس عليه لاحقًا. ثم يأتي الاختبار فيسأل عن معاني الكلمات، أو يطلب ترتيب كلمات في جملة، من غير أن يضع المتعلم في موقف يطلب فيه معلومات فعلًا أو يقدّمها. في مثل هذا المثال، لا تكون المشكلة في ضعف الوحدة أو الاختبار منفردين، بل في عدم مواءمتهما للمخرج المعلن.

والبديل المهني لهذا الارتباك هو ما يمكن تسميته التخطيط العكسي المنضبط. ومعناه أن يبدأ بناء البرنامج من الأداء المرغوب في نهايته، ثم تُشتق منه مخرجات التعلّم، ثم يُختار المحتوى الذي يخدمها، ثم تُبنى الأنشطة، ثم تُصمَّم أدوات التقويم. فلو أردنا مثلًا في مستوى معين أن يقدر المتعلم على “فهم التعليمات الأكاديمية الأساسية والتصرف بناء عليها”، وجب أن تتضمن المادة أنماطًا من التعليمات الواقعية، وأنشطة استماع وتفاعل مرتبطة بها، ثم تقويمًا يختبر الفهم من خلال الأداء، لا من خلال السؤال عن معنى مفردة واحدة من التعليمات.

وهذا الاتساق لا يعني الجمود، ولا يضيّق حرية المعلم، بل يحررها في الاتجاه الصحيح. فالمعلم داخل البرنامج المتسق يعرف ما الذي يخدم الهدف وما الذي يشتت عنه، ويستطيع أن يبتكر في الوسائل ما دام محافظًا على منطق البناء. كما أن مراجعة البرامج نفسها تصبح أكثر دقة؛ إذ لا يُكتفى بالسؤال: هل المحتوى جيد؟ بل يُسأل أيضًا: هل هذا المحتوى يخدم المخرجات؟ وهل هذه المخرجات تجسد الكفايات فعلًا؟ وهل يقيس التقويم ما زعم البرنامج أنه يبنيه؟

الخلاصة

إن جودة برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها لا تُقاس بحسن صياغة أهدافها وحده، بل بدرجة الاتساق بين الكفايات، ومخرجات التعلّم، والمحتوى، والأنشطة، والتقويم. وكل برنامج يعلن شيئًا ويعلّم شيئًا آخر ويقيس شيئًا ثالثًا محكوم عليه بضعف الأثر مهما بدا حسن التنظيم في وثائقه. والمبدأ التوجيهي الحاكم هنا هو: لا يُدرج في المحتوى ما لا يخدم مخرجًا واضحًا، ولا يُقوَّم في البرنامج ما لم يُبنَ له تعلّم مقصود. وعند هذا الحد يبدأ البرنامج اللغوي في التحول من هيكل إداري منظم إلى بنية تربوية حية وفاعلة.


الكلمات المفتاحية

تعليم العربية للناطقين بغيرها، الكفايات، مخرجات التعلّم، تصميم المناهج، تقويم البرامج اللغوية، الاتساق الداخلي، التخطيط العكسي، الكفاية التواصلية، المحتوى التعليمي، التقويم اللغوي.